ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

سقوط الحياد: في معنى الالتزام الوطني في لبنان

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الثلاثاء 3 شباط 2026
الخط


تتردّد في الخطاب السياسي والإعلامي اللبناني، دعوات إلى «الحياد»، أو اعتراضات على القول الصريح إن لبنان ليس على الحياد. تُطرح هذه الدعوات غالباً بلغة أخلاقية ملساء، توحي بالتعالي عن الصراعات، وبالحرص على «مصلحة لبنان» و«إنقاذه من المحاور». غير أنّ هذا الخطاب، عند إخضاعه لأبسط امتحان تاريخي وميثاقي، سرعان ما يتبيّن أنه بلا صدقية، بل خطاب يموّه الواقع بدل أن يفسّره، ويهرب من المسؤولية السياسية بدل أن يتحمّلها.

فالحياد، بوصفه مفهوماً سياسياً وقانونياً، ليس شعاراً إنشائياً يُرفع في البيانات ولا رغبة ذاتية تُعلن في البرامج الحوارية. الحياد حالة موضوعية مشروطة بسياق تاريخي وجغرافي وقانوني معيّن، وله شروط صارمة ومعايير واضحة. والأهم من ذلك: لا يمكن لأي كيان سياسي أن يدّعي الحياد إذا كان تاريخه، وبنيته، وعلاقاته، وتهديداته الوجودية، تناقض هذا الادعاء من جذوره. ولبنان، منذ نشأته الحديثة، لم يكن يوماً كياناً محايداً، لا بالفعل ولا بالقدرة.

يكفي التذكير بحقيقة أساسية غالباً ما يجري تجاهلها عمداً: جميع المكوّنات السياسية والطائفية التي انخرطت في الكيان اللبناني، منذ المتصرفية وصولاً إلى دولة الاستقلال وما بعدها، كانت على صلات وثيقة بقوى خارجية، غربية أو شرقية، استعمارية أو إقليمية.

لم يكن ذلك استثناءً عابراً، بل كان جزءاً من آلية التكوين نفسها. فلبنان لم يُبنَ في فراغ، بل في قلب صراع دولي وإقليمي على المشرق، وفي تماس مباشر مع مشاريع نفوذ، وحسابات إمبراطوريات، وتحالفات كبرى. من هنا، فإن تصوير لبنان كـ«ضحية بريئة» لمحاور لم يخترها، أو كدولة كان يمكنها يوماً أن تكون على مسافة واحدة من الجميع، هو تزوير للتاريخ لا قراءة له.

لكن الأهم من البُعد التاريخي هو البُعد الميثاقي. فالدولة اللبنانية، بعد حرب أهلية مدمّرة، أعادت تأسيس نفسها على قاعدة اتفاق الطائف، أي «وثيقة الوفاق الوطني»، التي لم تكن مجرد تسوية ظرفية، بل كانت عقداً سياسياً وأخلاقياً أعاد تعريف ثوابت الكيان.

ومن بين هذه الثوابت، وبوضوح لا لبس فيه، التأكيد على أن لبنان دولة عربية الهوية والانتماء، وعلى التزامه التصدي للعدوان الإسرائيلي، ورفض التوطين، والدفاع عن أرضه وسيادته. هذه ليست شعارات أيديولوجية قابلة للأخذ والرد، بل نصوصٌ تأسيسية تُلزم الدولة ومؤسساتها وكل من ينتسب إلى الشرعية الوطنية.

بناءً عليه، فإن أي دعوة إلى «الحياد» تتجاهل حقيقة الصراع مع العدو الإسرائيلي، أو تحاول وضع هذا الصراع في خانة «نزاع خارجي لا يعنينا»، إنما تشكّل خرقاً مباشرااً لميثاق الوفاق الوطني. إذ لا حياد، لا منطقياً ولا قانونياً ولا أخلاقياً، في مواجهة عدوان قائم ومستمّر، يحتل أرضاً لبنانية، وينتهك السيادة يومياً، ويهدّد الأمن الوطني بشكل بنيوي. الحياد هنا ليس موقفاً وسطاً، بل انحيازٌ ضمنيٌ للعدوان، لأنه يساوي بين المعتدي والمعتدى عليه، ويجرّد الضحية من حقها في المقاومة والدفاع.

إنّ أخطر ما في خطاب الحياد المُدّعى، أنه لا يكتفي بتجاهل العدوان الإسرائيلي، بل يذهب أحياناً إلى ما هو أبعد: الدعوة الصريحة أو المبطّنة إلى التطبيع معه، أو إلى التخاذل عن مواجهته بحجّة «الواقعية» أو «توازن القوى».

وهذا الخطاب، مهما تلطّى خلف مفردات السيادة أو التنمية أو السلام، لا يمكن فصله عن مشروع سياسي واضح: إخراج لبنان من معادلة الصراع، ليس لمصلحة استقلاله، بل لمصلحة دمجه في منظومة إقليمية تقودها قوى حليفة للعدو الإسرائيلي.

ومن هنا، فإن القول إن «حلفاء العدوان الإسرائيلي هم معتدون على لبنان» ليس شعاراً انفعالياً، بل توصيفٌ سياسي دقيق. فالدول والقوى التي تدعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً، وتوفّر لها الغطاء الدولي، وتمنع محاسبتها على جرائمها، تشارك فعلياً في العدوان، ولو بأدوات غير مباشرة. وإذا اعتدت هذه القوى على شعوب أو دول أخرى في المنطقة، فلا يمكن للبنان، إذا كان وفياً لميثاقه ولمصلحته الوطنية، أن يقف في صفّها أو أن يتذرّع بالحياد. المنطق البسيط يقول: لا يمكن أن تكون مع حليف العدو ضد عدو العدو، لأنّ في ذلك تناقضاً بنيوياً لا يستقيم سياسياً ولا أخلاقياً.

هنا تتبدّى المفارقة الكبرى في خطاب الحياد: فهو يُقدَّم بوصفه طريقاً للخلاص، بينما هو في الواقع طريق للتجرّد من أي حماية فعلية. فالحياد لا يحمي دولة ضعيفة محاطة بالأخطار، بل يجعلها مكشوفة أكثر. التجارب التاريخية، من أوروبا إلى الشرق الأوسط، تُظهر أن الحياد لا يكون فاعلًا إلا حين يكون محمياً بقوة ذاتية رادعة أو بضمانات دولية صلبة، وهو ما لا يتوافر للبنان. أما الحياد المجرّد، غير القابل للتنفيذ، فهو مجرد وهم سياسي يُستخدم لتبرير الانكفاء أو الانحياز المقنّع.

ثمّة بُعدٌ آخر، له طابعه الأخلاقي والسياسي المرتبط بالقضية الفلسطينية، التي لا يمكن فصلها عن العدوان الإسرائيلي على لبنان. فلبنان لم يكن يوماً «جاراً محايداً» لفلسطين، بل كان جزءاً من فضاء تاريخي وسياسي واحد، ودفع أثماناً باهظة نتيجة هذا الترابط. محاولة فصل لبنان عن هذا السياق، تحت عنوان الحياد، تعني عملياً القبول بتصفية قضية مركزية في المنطقة، والقبول بمنطق القوة والغلبة، وهو منطق يتناقض مع أي ادعاء بالسيادة أو العدالة.

إن مقتضيات الميثاق الوطني، إذا أُخذت بجدّية، توجب على لبنان ألا يكون على «حياد مدّعى غير حقيقي» بين العدوان الإسرائيلي ومن يعاديه. ليس المطلوب من لبنان أن يتحوّل إلى دولة عدوانية أو أن ينخرط في مغامرات غير محسوبة، بل أن يكون واضحاً في تحديد موقعه: موقع الدولة التي تدافع عن نفسها، وترفض التطبيع مع المعتدي، ولا تساوي بين الضحية والجلاد. هذا الوضوح ليس ترفاً فكرياً، بل شرطٌ من شروط الاستقرار الداخلي، لأن الغموض والانقسام حول القضايا المصيرية كانا دائماً مدخلاً للاهتزازات الكبرى.

في المحصلة، ليست المسألة مسألة «مع» أو «ضد» الحياد بوصفه مفهوماً مجرّداً، بل مسألة صدقية سياسية والتزام وطني. لبنان، بتكوينه وتاريخه وميثاقه، لا يستطيع أن يكون محايداً في صراع وجودي مع عدو يحتل أرضه ويهدّد مستقبله. وكل دعوة إلى الحياد تتجاهل هذه الحقيقة، أو تحاول القفز فوقها، ليست سوى محاولة لإعادة تعريف لبنان خارج ذاته، وخارج عقده الوطني، وخارج معادلة الصراع التي شكّلت أحد أعمدة وجوده السياسي. والنتيجة، في نهاية المطاف، ليست سلاماً ولا سيادة، بل فراغٌ استراتيجيٌ لا يملؤه إلا الأقوى.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك